عطيني إكراميتي

بواسطة 3bdulsalam في مايو.12, 2010, تحت تصنيف أخبار وفعاليات

Syria_today-776440سمة التفاخر والإعتداد بالنفس سمة عربية أصيلة في تكويننا النفسي عموما، تتدرج صعودا في حدة الظهور ابتداء من المستوى الفردي وانتهاء بمستوى الشعب، وكلما صعدنا درجة في السلم السابق تزداد حدة هذه السمة اتجاه الآخرين الذين نتفاخر عليهم وبنفس الوقت تخفت بين أفراد المجموعة الواحدة ، ويصبح من اليسير على كل مجموعة الإعتراف بعيوبها وواقع الحال من باب الحارة الضيقة.

بالطبع لا شيء محرج  ومحبط أكثر من اكتشاف الآخرين أمورا لا يمكن نكرانها، من شأنها تحطيم تلك الهالة التي نجاهد دوما على إبقائها متقدة، وحتى لو اعتبرت أن هذه السمة غير موجودة –وهي كذلك عند كثيرين-  إلا أنه من المحزن ألا يرانا الآخرون كما نتمنى، ومن المحرج أن يبدأوا بالحديث عن صدمتهم فينا وبواقع حالنا المزري.

منذ فترة قريبة التقيت بسيدة تونسية وزوجها السوري وكانوا ينوون الذهاب إلى سورية، وهي الزيارة الأولى لها إلى هناك، انتهت زيارتهم ورأيتهم مرة أخرى، سألت كيف كانت الزيارة؟

وبدأت السيدة بالحديث:

بلد بتجنن، طبيعة غير وخضار وهواء عليل، لكن أرجو ألا تغضب مني فقد فاجئني الشعب السوري، منذ لحظة دخولي المطار تلقفني الجميع من موظفين وعمال، وبدأوا يرددون على مسامعي عبارة غريبة لم أفهمها في البداية لولا مساعدة زوجي وهي “ عطيني إكراميتي”، ذهلت من طريقة التعامل هناك وذهلت أكثر من المطار فهو يكاد يكون كراج سرافيس ومكاري وليس مطارا دوليا لمدينة تحمل عراقة دمشق وتاريخها الطويل الذي طالما أبهرنا عن بعد.

خرجنا من المطار ووصلنا إلى دمشق، الشوارع سيئة للغاية وازدحام خانق وأصوات الزمامير كجرس إنذار متواصل. نركب التكسي وما أن يسمع السائق لهجتي حتى يطفئ العداد، المشوار الصغير يكلفني ضعف ما تكلفني التكسي في الكويت، بدأت أصر على السائقين أنني سأدفع لهم بناء على العداد، وبعد أن أدفع يقتطع نقودا إضافية ويقول “ إنها إكراميتي” فاضطررنا أن نستأجر سيارة لأنها أوفر.

نذهب إلى المطعم يظل يلف ويدور الغرسون وهو يردد عبارات الترحيب ومعها “ عطيني إكراميتي”، نخرج من المطعم لنتفاجئ بشخص يركض نحونا والسرور بادٍ على محياه، لقد غسلت سيارتكم، فأكرموني بما تجودون به ولو مئتي ليرة، لم نطلب منك أن تغسلها ! يُلح بنبرة ممزوجة بالتذلل وطلب الحق “ أعطوني إكراميتي”. شرطي المرور لا يتوانى عن بيع بلده من أجل مئة ليرة، فسواء لديه إن خالفت أو لم تكن،  المهم أن تعطيه إكراميته. . أصحاب المحلات لديهم حساسية غريبة اتجاه اللهجة الغربية، فيبدأون بأساليب سلسة للغاية في إغراءك بالشراء والدفع ضعف القيمة، على أمل أنك غريب عن البلد ولن تعرف فروقات الأسعار . . هم أيضا يريدون إكراميتهم. 

رغم جمال الطبيعة هناك لكن وجوه الناس معفرة بالبؤس والشقاء، تشعر أنهم يحملون شيئا فوق رؤوسهم، شيئا ثقيلا، لا تستطيع ضحكاتهم وابتساماتهم إخفاءه أبدا، إنهم يعملون بكدح العبيد، عملين وثلاثة ليهربوا من نطع الغلاء . . الغلاء ! لم أتصور أن سورية بهذا الغلاء أبدا، الكويت ليست أغلى من دمشق وما أنفقناه فيها كنا ننفق نصفه في فرنسة، يا ليتني ذهبت إلى فرنسة!! أتدري لم أعد ألُم من كانوا يطلبون إكراميتهم، فهم يجاهدون الواقع والغلاء ويتشاطرون ويتحذلقون في أساليب كسب العيش ليكملوا الشهر وفي بيتهم طعام.

لقد أصبحت أرى في كل منهم سيزيف الذي يحاول القاء الصخرة عن ظهره، إكرامية من هنا وإكرامية من هناك يخف معها الحمل حتى ولو لم يتخلص منه. اللوم لا يقع عليهم ولكن يقع على الحكومة، رواتب ومداخيل ضعيفة في مهب الغلاء والأسعار الجنونية . . لا حيلة لديهم سوى أن يتشاطروا على بعضهم البعض وعلى الغريب . . حتى ولو كان الأمر على حساب كرامتهم وصورتهم في أعين الناس. نعم قد يكون البعض كسب إكراميته لكنه خسر في ذات الوقت نفسه . . إن هذا لحرام! تقولها بأسى.

دمشق مليئة بالبيوت الجميلة والقصور الفاخرة، مليئة بالسيارة الحديثة، لا تختلف كثيرا عن الكويت في هذا، تصادف أناس كثر ومظاهر النعمة بادية عليهم، تشعر أنهم أغنياء جدا، نعم البلد فيها نقود، فيها خيرات لكن العدالة الإجتماعية ذهبت على ما يبدو كإكرامية لبضع عائلات مهما كثرت فلن تقدر أن تلون اللون الرمادي الموحل أبدا!

ما أروع ليل دمشق وما أجمل دمشق من قاسيون . . مدينة سكنها السحر، تتلالأ أضواءها كسبائك الذهب، البحر جميل، وسهل الغاب قطعة من الجنة، كل هذا بهرني، كل هذا جميل، لكن الشعب، تسكت وتهز رأسها بإنكار ذوبني خجلا!

الصورة التي كونتها كانت أكثر سطوعا من دفاعاتي وتبريراتي، فالتجربة أمضى أثرا من كل الخطب الرنانة . . ترد علي باقتضاب، ألم أقل لك أنهم مضطرون لفعل ذلك، إنهم يحاولون العيش ليس إلا . . لن أعود إلى سورية أبدا . . أسأل زوجها هل هذا صحيح؟ يرد “البلد متغيرة كتير، الله لا يعطيهم العافية خجلونا”.

مواضيع ذات صلة:

10 تعليقات لهذه التدوينة

  • seleucid

    هلأ صحيح اننو شوفيريَة التكاسي فضيحة مع الأجنبي بس اسمحلي أقلَك تدوينتك مي واقعية أبدا و سلبية للغاية.

    الشعب السوري معروف انَو من أكتر الشعوب طيبة وبساطة بالتعامل مع الأجنبي, للسبب البسيط انَا مانَا متعودين عليهون. شايف بعيني كيف بينعزم كل أجنبي على مية بيت ما بيحكو كلمة انكليزي, أكل و شرب و نومة كمان. رفيقي الأجنبي سأل شبَين وين الكاراج, ما تركوه لبين ما وصَلوه عل كاراج اللي برَات البلد.

    لو مشتهي تشوف سرقة و اكراميات علأصول, روح على بلدان أنشط بالسياحة. مصر مثلا, يا ويل اللَي بيحكوه الأجانب عن مصر!

    اسَا هي خرطة الأسعار! يعني أي شي بسورية سعروا تلت أي بلد مجاور! يعني اذا نحن حكينا غلا, اللبنانية والاردنية شو يحكوا. الشام مقصد كل أجنبي حابب يدرس لغتنا, لرخص أسعارها و طيبة أهلها.

    ما تعتمد على رأي واحد لتعرف وضع بلدك, تاع شوف بعينك! ايمت اخر مرة زرتنا يا زلمة؟

    • 3bdulsalam

      أهلا seleucid . . التدوينة سلبية ما في شك لأنها تصف واقع سلبي، بالطبع كل ما يخطر على بالك من ردود أنا حكيتها للسيدة، لكن وكما تعلم فالإنطباع الاول يدوم طويلا، وهي اول ما وصلت المطار صار عندها انطباع سلبي سسواء من حيث شكل المطار أو من أسلوب تعامل القيمين عليه، وإجت كملت معها القصة في بقية المواقف . . والحقيقة الكلام السابق هو كلامها كله فانا لم أقم سوى بتحويله من العامية إلى الفصحى، وبصراحة تفاجأت بقراءتها للواقع هناك وكيف رأته . . نعم مزعج لي ولك ولأي سوري آخر ما قالته لكن لا يعني هذا أنه لا يحمل من الحقيقية الشيء الكثير.

      أما توصيفك للغلاء والأسعار بأنه خرطة -كذب- فلا اجده دقيق تماما، قد يكون الأردن ولبنان أغلى من سورية، لكن يجب أن تضع بعين الإعتبار عاملين، الأول: معدل دخل الفرد في لبنان والأردن أعلى من معدل دخل الفرد في سورية بمعدل ثلاث مرات.
      الثاني: ضعف موارد الدولة في كل من الأردن ولبنان، على عكس سورية التي تملك موارد متعددة ومتنوعة.

      وبالتالي حال السوري إن لم يكن أسوأ فهو ليس بأفضل، الأمر الآخر الأسعار في سورية تكاد تكون نفس الأسعار في الكويت وفي أشياء معينة الأسعار أغلى حتى من الكويت، علما أن الكويت مستوردة والدخل فيها عالي جدا، بينما سورية منتجة والدخل فيها منخفض جدا!! مفارقة أليس كذلك ؟

      والمقارنة مع سيئات الدول الاخرى لا تخفف من سيئاتنا. . بالطبع أنا لم أعتمد على رأي واحد، وهذه المحادثة جرت من فترة ولم أنشرها لاعتقادي أن فيها ما فيها من المبالغة، لكن منذ ثلاثة أيام فقط عاد أحد الأصدقاء من دمشق وكانت الكلمة الاولى التي نطق بها، الله يعين العالم كيف عايشين . . غلااااء أكتر من الكويت، وبقية كلامه لا يكاد يختلف عن كلام السيدة أعلاه.

      غاية الكلام . . حتى لو فرضنا أن كل المشاهد السابقة هي مجرد حالات شاذة جدا، لكنها بالنهاية هي التي تحدد ردة فعل أي سائح يزور البلد.

  • دندنة قيثارة الوجد

    السلام عليكم ..

    هذه الظاهرة أصبحت سمة يتميز بها العالم العربي ككل وإن اتخلفت نسب التفاوت والأساليب .. لكن السبب الرئيسي لها في رأي أن معظم الشعوب العربية أصبحت شعوب مقهورة تعاني الفقر والبطالة والتخلف !!

    تحياتي لك وستظل دمشق الأبية فعلا.

  • amer ebrahim

    ((العدالة الإجتماعية ذهبت على ما يبدو كإكرامية لبضع عائلات))
    على ما يبدو الكلام صحيح
    الفقير بياخد اكرامية 100 ليرة
    والغني بياخد اكرامية 100 مليون ليرة

  • 3bdulsalam

    دندنة: رأيك له حصة كبيرة من الصواب . . أهلا وسهلا بك.

    أبو هاجر: والفقير هو اللي يتطبق عليه القانون ويتبهدل ويتشرشح . . هيك صايرة الأمور.

  • mhamd

    مرحبا باعواد الثقاب التي طالت جزء منا اليوم , لا نختلف جميعا بما ذكرت في هذه التدوينة وما يحدث على ارضنا سوريا الحيبة سوريا الحضارة والتاريخ نعم هذه صحيح لكن ماذا عن الشعب الكحين الشعب المجاهد “اصبح فرض عين الجاهد في سبيل العيش !!” السوري الذي يكافح ويخرق الارض ويبتكر ويفكر وربما نصعد القمر !! اجل القمر ونشتكشف اذا كان فيه ماء ام لا قبل ناسا “التضخيم لسبيل المزاح فقط ” واقع مرير اذا لا تستطيع ان تعمل اي حركة بدون الاكرامية وهي اخت الرشوة من نفس الاب والام لكن اسم اخر ابتكر لغسل ادمغتنا ودفعها مرتحون الضمير هذا من ناحية وفي الغلا يقل الشعر وتفتح مجالس الا مجالس الشعب الذي (يزيد الطين بلة )
    ولا اعرف هو ضد او مع اتكفي لانه لن انتهي .

    • 3bdulsalam

      أهلا ومرحبا محمد . . الله يعين الشعب، بس في كتير شغلات عم تصير من شغل إيدو لهالشعب.

      يعني الإكرامية والرشوة صدقني لو كل واحد وقف وما عطاها ع القليلة بالمعاملات النظامية مو المزورة كان شوي تغيرت الأمو.
      بس المشكلة سلبية من الشعب وإهمال مريع من الحكومة . . والنتيجة صورة مأساوية.

      تحياتي مجددا

      • مروة

        ناهيك عن تطور علم المحاسبة وإضافة حساب ( إكراميات ) لشجرة الحسابات لأنه من غير المحتمل أن يحمل على حساب آخر كالنفقات العمومية .

        اقتباس :( يعني الإكرامية والرشوة صدقني لو كل واحد وقف وما عطاها ع القليلة بالمعاملات النظامية مو المزورة كان شوي تغيرت الأمور.)

        كلام سليم 100 % ولكن في أكثر الأحيان الواقع غير …
        فما تصرفك مع شخص مستعد لعرقلة أمورك النظامية وقادر على ذلك مقابل ان تدفع وهؤلاء نسبة غير قليلة مع الأسف.

        المشكلة مع الذي يدفع مقدماً تحسباً للمستقبل !!!!!!

  • kenan Alqurhaly

    شو هالحكي يا أخي بلدنا متقدم روح شوف المناطق الصناعية اللي عم تصنع شرائح هامبرغر وشو منشان الحمرا طويلة وأختا القصيرة يعني هي السيدة التونسية ما شافت الا الجانب السلبي للدولة الصناعية الحديثة

    • 3bdulsalam

      أي والله عم تحكي صح يا معلم، هاي التونسية كانت مركبة نظارات ما بتشوف غير السلبيات. . الله يهديها الحق على جوزها مو عليها ! :)

      تحياتي.

4 التعقيبات لهذه التدوينة

اترك تعليقاً

هل تبحث عن شيء ما?

استخدم مربع البحث في الأسفل للبحث في الموقع:

إذا لم تجد ما تبحث عنه الرجاء مراسلة إدارة الموقع للتنبيه!

عداد الزيارات



كبريتات المدونة