قراءة في الإستبداد على أضواء سمرقند

بواسطة في يناير.13, 2010, تحت تصنيف أخبار وفعاليات

إنتهيت من قراءة رواية سمرقند منذ مدة طويلة وكنت قد دونت بعض الإقتباسات على أمل صياغة إنطباعي  بشكل نهائي، والحقيقة رغم أن الإفكار جاهزة برأسي والفكرة العامة متبلورة كليا إلا أنني وجدت صعوبة في ترجمتها على أزرار الكمبيوتر!

ربما بسبب تشعب الموضوع وحيرتي بكيفية البدء به، فلا أصعب من الحديث عن موضوع متشعب متداخل الأطراف! ولعل انطباعي الأول وربما الوحيد الذي تشكل جراء السفر مسافة ألف عام في تاريخنا العتيد يتلخص بأنني كنت كمن يشاهد إحدى المسلسلات التي تريد الحديث عن واقع اليوم ولا تستطيع إلى ذلك سبيلا إلا من خلال القالب التاريخي وممارسة الإسقاط المباشر وغير المباشر على الواقع.

الرواية عبارة عن سرد تاريخي لقصة مدينة تلخص حكاية المنطقة والإستبداد الذي تعيشه حتى اليوم، حكاية الحروب والصراعات على السلطة، حكاية الأطماع الإستعمارية وحكاية الشعب الضائع وسط المعمعة السابقة.

ما أراد أمين معلوف قوله يتلخص حسب قراءتي بأن الإستبداد يدجن الشعب ويهزمه في الأعماق، والخوف من الحاكم وبطشه يدفع الناس إلى تملقه وتأليهه حتى يعتاد الأمر لدرجة يشعر معها بالملل من كثرة المديح. فلا أسهل من إظهار الولاء في الأفواه الكاذبة التي سيملأها الحاكم بالذهب، كتغيير لرتابة أجواء الثناء المعتادة وإضفاء شيء من الطرافة عليها.

ومن عجائب الإستبداد أنه يربط إستقرار الحياة باستقرار الحاكم على كرسيه، فالخوف المركب من المجهول الذي ينتظر الشعب إذا ما غاب الحاكم، والخوف من البلبلة والفوضى وبطش المتصارعين على الحكم – كون البطش بالشعب والمناوئين هو الطريقة المثلى لبسط الهيبة والنفوذ واستقرار الأمور- يجعلهم لا يتمنون زوال الحاكم مهما كان ظالما.

في ذلك العصر كان الناس يحذرون تغير الملك وما يواكبه ذلك من مجازر وآلام وأعمال نهب وسلب لا سبيل إلى تلافيها، وكان ينبغي أن يتجاوز العاهل كل حد ويخضع الرعية لضرائب فوق الطاقة ومهانات لا تنقطع لكي يصل بهم الأمر إلى الرجاء بأن يغزوهم ملك آخر.

وربما هذا السر وراء ظهور الرأي الفقهي القائل بأنه لا ينبغي الخروج على الحاكم حتى لو كان ظالما، وضرورة الصبر على جور الحاكم. فيتعاضد السياسي والديني في تثبيت أوتاد الطغيان والعبودية . . حتى لا يجد المرء سبيلا إلى العيش الكريم وكسب رزقه بنزاهة في بلد يحكمه الإستبداد.

فتصبح الغربة والهروب من الأوطان ملجأ كل المظلومين وخلاصهم من نير الإستبداد علهم يشعرون فيها ببعض الحرية. ولم أجد أروع من هذا الإقتباس على لسان جمال الدين الأفغاني:

لو لم تكونوا قد حولتم بلادنا الجميلة الى سجون لما احتجنا الى اللجوء للأوربيين . . لو كنت أحمل جنسية الولايات المتحدة أو فرنسا أو النمسا ناهيك عن بروسيا أو انكلترا لدخل قنصل بلادي مكتب الصدر الأعظم من غير أن يقرع الباب وحصل على إطلاق سراحي في نصف ساعة.

أقول لك إننا- مسلمي هذا العصر- أيتام. 

إزاء هذه الثنائية (الإستبداد السياسي والديني) يتشكل المزاج الشعبي بشكل لا واع على هواها ولا يجد الشعب متنفسا للإضطهاد الذي يعيشه سوى ممارسته على بعضه البعض، فيترقبون زلات اللسان ويتربصون بأقوال العلماء والأدباء ليمارسوا على من يعبر عن رأيه الخارج على الإجماع عقد الإضطهاد والقمع التي يعيشونها، وكيل تهم الهرطقة والكفر وربما الخيانة . . الخ.  والخوف كل الخوف من تفاني الأتقياء! 

رغم أن الخوف إحدي الوسائل الرئيسية التي يستخدمها الإستبداد في تطويع الناس وفي فرض استمرار وجوده، إلا أنه لا يلبث أن يؤثر بشكل تفاعلي على كافة مناحي الحياة بما فيها النظام الإستبدادي نفسه، الذي يصبح هو الآخر أسير الخوف في سلوكياته وممارساته. فالقسوة المفرطة في عقوبة من يتجرأ على الكلام بحديث ينال من النظام أو لا يروقه على أقل تقدير ما هو إلا انعكاس لهذا الخوف، والريبة من أي تجمع شعبي أو نشاط مدني أو حتى توجه ثقافي جديد هو أيضا مظهر من مظاهر الخوف الذي يصبح عقيدة وروحا تعشش في مفاصل الدولة التي يحكمها الإستبداد. لذلك نجد أن مجتمعاتنا دائما ما كانت تواجه الآخر المختلف – أيا كان هذا الآخر – بالحذر والريبة والرفض حد المحاربة بطريقة تطغى على كل الخصال الحميدة و الفضائل التي يتمتع بها  المجتمع وأفراده، والنظام الإستبدادي إذا شعر بالخوف والمحاصرة تراه ينقلب إلى وحش مسعور ينال من شعبه على أهون الأسباب.

والحقيقة أن الإستبداد يعصف بكل شيء غير أنه يلجأ لخلق وحماية بعض التابوهات القيمية أو الإجتماعية التي تدغدغ مشاعر الشعب على سبيل تجميل صورته في عيون العوام وأيضا يساعده هذا الأمر على خلق فسحة مغلقة يلعب فيها الناس ويمارسون ما يتصورونه حرية أو قراراً شعبياً، ولا أفضل من التابوهات الدينية لهذه المهمة، فالجانب الديني دائما كان الشريك الأول للإستبداد السياسي في تطويع الشعب وبنفس الوقت هو جانب يأنس له الناس ويقدسونه، لذلك تجد أن النظم الإستبدادية لا تتهاون في ردع ما يمكن أن يؤوّل على أنه مساس بالتابو الديني، أو مباركة أي محاكمة شعبية للأفكار والسلوكيات وأصحابها الذين خدشوا هذه التابوهات.

مشكلة أخرى تزيد الأمور تعقيدا:

المزايا المطلوبة لتولي الحكم غير المزايا المطلوبة للوصول الى سدة الحكم، فلكي يحسن المرء تصريف الشؤون عليه أن ينكر ذاته ولا يهتم إلا بسواه، ولا سيما بأكثر الناس شقاء، ولكي يصل إلى سدة الحكم ينبغي أن يكون أشد الناس طمعا، وألا يفكر إلا في ذاته وأن يكون مستعدا لسحق أقرب أصدقائه إلى قلبه.

   هذه الحقيقة الراسخة في النظم الإستبدادية تجعل من الصعب وصول حاكم صالح يهتم لأمر الرعية حقا، فكل الحكام يعبدون الطريق إلى العرش بجماجم وأشلاء الرجال وبذلك تستمر حلقة الحكم الإستبدادي حتى تدب شرارة الثورة في نفوس الرجال وينقلبوا على حكم الإستبداد.

إلا أن ذلك لا يكفي حقيقة، صحيح أن الحاكم أو النظام هو ما يجسد الإستبداد غير أن تحطيم الصنم لا يجتث جاهلية الإستبداد من النفوس والحياة، بل على الشعب أن ينقلب على كل التقاليد البالية وعلى كل القيم التي خلقتها وكرستها عهود الإستبداد:

هيه، كلا، تبصر! في وسعي أن أبغض الشاه غير أنه ليس الشخص الذي أقاتله، فلا يمكن أن يكون الإنتصار على طاغية هدفا نهائيا، وأنا أقاتل لكي يعي الفرس أن عليهم أن يكونوا أحرارا، أن يؤمنوا بأنفسهم، بقوتهم وأن يجدوا لأنفسهم مكانا في عالم اليوم. هذا هو ما رغبت في تحقيقه هنا. لقد خلعت هذه المدينة سلطة الملك والزعماء الدينيين لقد تحدت القوى وأثارت في كل مكان الإنتصار، غير أنهم لا يريدون تركهم ينتصرون، إنهم يخشون كثيرا أمثولتهم ويريدون إذلالهم وعلى الشعب الأبي أن يسجد أمام جنود القيصر للحصول على خبزه.

ببراعة تامة عبر أمين معلوف عن فكرة الدعم الغربي لقيم التحرر والديموقراطية وحق تقرير المصير، وارتباط هذا الدعم بمقدار تحقيقه لمصالحهم ولو ثبت عكس ذلك تجدهم انقلبوا شركاء في التآمر على وأد الثورة ومعاداتها، غامزا إلى موقف القوى الغربية من الثورة الإسلامية في إيران. وهو موقف يمكن تعميمه دون أن يفقد مصداقيته.

غير أنني وجدت الكاتب قد بالغ كثيرا في تضخيم دور بعض الشخصيات الغربية التي لا ناقة لها ولا جمل في صراعات الشعب وحولهم إلى أبطال كبار في نضالهم وتضحيتهم حد الشهادة في سبيل نصرة الثوار والمسحوقين لنيل حريتهم، وحكاية شوستر أمين الخزانة الذي كاد أن يغير وجه الشرق!

ملاحظتي هذه كانت قبل ضجة الجدار المصري وموقف النظام من قافلة شريان الحياة التي تزعمها النائب البريطاني جورج غالاوي وثلة من الأحرار في أوربا، ليتأكد لي مرة أخرى أن أمين معلوف كتب الحاضر بلغة الماضي وشخوصه، طالما أن الإستبداد هو المتحكم فآثاره واحدة مهما تغير الزمن!

24 تعليقات لهذه التدوينة

  • Somar

    كفيت ووفيت… جميل جداً …

  • باسل

    تحياتي صديقي عبد السلام؛
    جميلة هي قراءتك للرواية وأتفق معك خصوصا حول استخدام معلوف للتاريخ لنقد أحداث حاضرة
    أختلف معك ربّما بشيء واحد وحسب، وربّما اختلافنا ليس كبيرا حتى هنا.. أعتقد أنّ الاستبداد السياسي هو الحلقة الأخيرة من جملة أمراض تصيب المجتمع، وليس هو المسبب لتلك الأمراض.. الرأي الشائع اليوم يرجع للإستبداد السياسي جميع الأمراض الأخرى وأعتقد أنّ هذا الرأي تنقصه الدقّة(لقد أشرت أنت إلى شيء شبيه بهذا ولهذا ربّما نحن لسنا بمختلفين جدّا!) سأقوم قريبا بايضاح رأيي بهذا الخصوص
    خالص ودّي

    • 3bdulsalam

      هلا باسل . . عودا حميدا

      صديقي بالنسبة لسؤال هل الفساد السياسي هو سبب أم نتيجة؟

      لا أدعي الآن أنني أملك إجابة علمية وقاطعة على السؤال، فالموضوع بحاجة إلى بحث ودراسة، ولكن أظن أنه لا جواب قاطع ونهائي على السؤال، فالتأثير متبادل ومتداخل غير أنني أميل إلى القول أن الفساد السياسي هو مفسدة المفاسد وهو الذي يتحمل الجزء الأكبر عن بقية المفاسد في الدولة والمجتمع.

      كنت قد طرحت مقاربة لهذا السؤال في تدوينة على جزئين:

      نظرة في الفساد 1

      نظرة في الفساد 2

      تحياتي لك وبانتظار رأيك حول الموضوع.

  • أبو أسامة خالد

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
    شوقتني للكتاب أخي الحبيب، ومقال جميل جداً سلمت يداك.

    عندي ملاحظة بسيطة: كتبت ما يلي:
    “وربما هذا السر وراء ظهور الرأي الفقهي القائل بأنه لا ينبغي الخروج على الحاكم حتى لو كان ظالما، وضرورة الصبر على جور الحاكم. فيتعاضد السياسي والديني في تثبيت أوتاد الطغيان والعبودية . . حتى لا يجد المرء سبيلا إلى العيش الكريم وكسب رزقه بنزاهة في بلد يحكمه الإستبداد.”

    فهل هذا من الرواية أم من قولك؟ عموماً: هذا غير صحيح؛ فجمهور أهل السنة والجماعة يقولون بعد جواز الخروج على الحاكم حتى لو كان ظالماً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث صريح صحيح، مع وجود استثناءات تجدها مبسوطة في كتب السياسة الشرعية لعلماء كثر.

    فهذه المقولة لا تصح.

    ودمت سالماً لمن تحب.

    • 3bdulsalam

      وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . . أهلا وسهلا بك وشكرا على ثناءك

      بالنسبة لملاحظتك: نعم الكلام من عندي وليس من الرواية، وأعلم أن الحكم الفقهي القائل بعدم جواز الخروج على الحاكم مبني على حديث نبوي أو مجموعة أحاديث نبوية.

      لكن ورغم أنني لم أبحث في مدى صحة وسند هذه الأحاديث وهل مطلقة الحكم أم مقيدة، إلا أنني أعتقد أن الحكام جيروا وربما اختلقوا هذه الأحاديث ليضمنوا عدم خروج الناس عليهم مهما تجبروا، وإلا بمناذا تفسر خروج الحسين رضي الله عنه على يزيد بن معاوية وخروج عبدالله بن الزبير وهم بغنى عن شهادتنا بمدى إيمانهم وإلتزامهم تعاليم القرآن والرسول؟

      الأمر الآخر، بماذا تفسر أيضا خروج معاوية على سيدنا علي وهو الخليفة الشرعي، وبماذا تفسر خروج سيدتنا عائشة وطلحة بن الزبير وغيرهم من الصحابة على سيدنا علي أيضا في موقعة الجمل وهو أيضا الخليفة والحاكم الشرعي؟

      علما أن مجمل الحوادث السابقة، رغم كل ما قيل فيها وعنها إلا أنه لم يرد عن أحد أبدا انهم قد خالفوا بذلك حديث رسول الله أو أمره.

      هذا الرأي الفقهي ظهر بعهود متأخرة، عندما بدأ يظهر استبداد الخلفاء بالحكم وكثرة الفتن والثورات، وأظن أن الإقتباس الذي أوردته في سياق المقالة يفسر تماما جانب مهم من جوانب هذا الحكم الفقهي الذي أجده متهافت تماما ولا يخدم أحد بقدر خدمته للحاكم والإستبداد والظلم الذي يمارسه.

      الأمر الآخر، الحكم الفقهي السابق لا يختلف كلية عن مجموع الفتاوى التي شهدناها مؤخرا، كمثال: فتوى جواز ومشروعية بناء الجدار المصري لتطويق غزة بدعوى حماية الأمن الوطني المصري!

      وفتوى حرمانية الدعاء لحزب الله في حرب تموز . . الخ من الفتاوى المفصلة على مقاس ورغبة الحاكم!

      شكرا لك على هذه المداخلة . . تقبل كامل محبتي وتقديري.

      • أبو أسامة خالد

        أخي الحبيب، بداية لي تعليق على قولك:”لكن ورغم أنني لم أبحث في مدى صحة وسند هذه الأحاديث وهل مطلقة الحكم أم مقيدة، إلا أنني أعتقد أن الحكام جيروا وربما اختلقوا هذه الأحاديث ليضمنوا عدم خروج الناس عليهم مهما تجبروا”، المسألة ليست مسألة أظن وأعتقد عندما يتعلق الأمر بالأحاديث، ولكنه علم له أسسه وقواعده، فهذا يقتضي منا اتباع تلك الأسس والقواعد.

        ثانياً: بالنسبة للأحداث التي ذكرتها قلت لك في ردي الأول أن حكم تحريم الخروج وجوازه ليس مطلقاً وفيها تفصيل كبير، وكتب السياسة الشرعية طافحة بالحديث عن هذا الموضوع وتفصيلاته. والعجيب أن كثيرا ممن ألف في كتب السياسة الشرعية هم من كانت بينهم وبين حكامهم مشاكل كثيرة وأبرزهما ابن تيمية والعز بن عبد السلام رحمهما الله.

        ثالثاً: الآراء التي ظهرت حول الجدار الفولاذي وأنه جائز إالخ أو ما شابه هذهه الفتوى، فمن المعلوم أخي الحبيب أن الدين لا يتحمل تبعات الفتاوى الشاذة، وأن الحكم الشرعي لا يتغير لمجرد أن مجموعة صغيرة من العلماء قاموا بتحريف شيء من الدين.
        والحمد لله عندنا علماء ربانيون كثر يبينون الرأي الصحيح في كل مسألة.

        أختم أيها الغالي بأنه من الخطأ الكبير الاعتماد على مجرد عقولنا لتحديد صحة قول من عدمه، ولا بد أولاً من معرفةرأي الشرع.

        محبك،

        • 3bdulsalam

          أخي الحبيب، بداية لي تعليق على قولك: ” لكن ورغم أنني لم أبحث في مدى صحة وسند هذه الأحاديث وهل مطلقة الحكم أم مقيدة، إلا أنني أعتقد أن الحكام جيروا وربما اختلقوا هذه الأحاديث ليضمنوا عدم خروج الناس عليهم مهما تجبروا ”.  المسألة ليست مسألة أظن وأعتقد عندما يتعلق الأمر بالأحاديث، ولكنه علم له أسسه وقواعده، فهذا يقتضي منا اتباع تلك الأسس والقواعد.

          تحياتي ويسعدني مرورك مرة أخرى أخي الكريم، وأتمناه دائما . . بالنسبة للكلام أعلاه معك حق، فالظن بمثل هذه الأمور لا يغني عن الحق شيئا.

          ثانياً: بالنسبة للأحداث التي ذكرتها قلت لك في ردي الأول أن حكم تحريم الخروج وجوازه ليس مطلقاً وفيها تفصيل كبير، وكتب السياسة الشرعية طافحة بالحديث عن هذا الموضوع وتفصيلاته. والعجيب أن كثيرا ممن ألف في كتب السياسة الشرعية هم من كانت بينهم وبين حكامهم مشاكل كثيرة وأبرزهما ابن تيمية والعز بن عبد السلام رحمهما الله.

          في الحقيقة هو ليس أمرا عجيبا أن يكون من كتب عن السياسة الشرعية على خلاف ومشاكل مع الحكام، للأسف الشديد السياسة والحكم وما يتعلق بهم من مسائل لم تأخذ حقها مطلقا من قبل الفقهاء والمفكرين والإسلاميين لأنها باب من أبواب سخط الحكام وتجبرهم، بينما مسائل واضحة كأحكام الصلاة  كتب عنها مؤلفات كثيرة على مر العصور ونوقشت تفاصيل التفاصيل، ببساطة لأن مثل هذه المواضيع بغض النظر عن أهميتها فهي لا تمس دائرة الحكم لا من قريب ولا بعيد. وعليه فالسياسة الشرعية لا تزال بحاجة إلى دراسات معمقة وجدية لتكتمل وتتبلور، ولكن كيف السبيل إلى ضمان حيادية وموضوعية من يكتب في هذا الشأن وهو يعيش تحت خوف غضب الحاكم من كلام قد يطال شرعية وجوده من قبل أخطر أداة على الإطلاق وهي الإسلام ؟ وكلنا نعلم العذاب الذي لاقاه الإمام أحمد ابن حنبل في قصة خلق القرآن فقط لأن رأيه لم يعجب الخليفة !!

          وعليه أعتقد جازما أن ما كتب في تفصيل الخروج على الحاكم وعموم مسائل الحكم على قلته، كتب تحت الخوف من بطش السلطان وبالتالي هو ناقص وغير مكتمل. مع اتفاقي الكامل مع الفكرة القائلة أن الخروج على الحاكم الظالم يشترط به عدم جلب مضرة وفسادا أكبر من بقاءه وأن التغيير المسلح هو تغيير محفوف بالمخاطر والمفاسد، ولنا فيما حصل بالعراق خير مثال على ذلك. مع التنويه أن الإسلام يعمل وفق آلية التغيير السلمي من القاعدة للقمة. 

          ثالثاً: الآراء التي ظهرت حول الجدار الفولاذي وأنه جائز إالخ أو ما شابه هذه الفتوى، فمن المعلوم أخي الحبيب أن الدين لا يتحمل تبعات الفتاوى الشاذة، وأن الحكم الشرعي لا يتغير لمجرد أن مجموعة صغيرة من العلماء قاموا بتحريف شيء من الدين.
          والحمد لله عندنا علماء ربانيون كثر يبينون الرأي الصحيح في كل مسألة.

          أختم أيها الغالي بأنه من الخطأ الكبير الاعتماد على مجرد عقولنا لتحديد صحة قول من عدمه، ولا بد أولاً من معرف ةرأي الشرع.

          لا أختلف معك في هذه النقطة التي أوردتها على سبيل المقارنة من أن هذه الفتاوى كتبت تحت طلب الحكام وقد يأتي عليها زمان إذا ما وثقت وعممت لتصبح جزءا من التراث الفقهي فيقاس عليها لبناء أحكام فقهية مماثلة  –فيما لو حيدت طبيعة العصر الحالي كونه عصر المعلومات-

          مع تحفظي الكامل على مصطلح العلماء الربانيون الذي أوردته.

          خالص التحية والتقدير.

  • أنس قطيش

    تحياتي عبد السلام،

    هذه التدوينة من أفضل ما كتبت ووحدها تكفي لتفوز بجائزة تدوينية أخرى.

    أين فريق المدون كي يضيفوها إلى مختارات المدون.

  • Yassin

    أتفق مع أنس ..

    الحقيقة قراءة ممتازة جداً.. قلتلك رأيي مبارح على تويتر أو و أتركه هنا مسجلاً..

    تحياتي

  • هند

    منذ فترة قلقت عليك أن تكون مصابا بعدوى فيروس كسل المدونين التي تنتشر بين حين واخر ,ولكنك هنا اثبتّ أنك ما زلت سليم معافى . يحميك الله .

    غبت طويلا عن مدونتك وهذا ما لم نعتاد عليه منك .ولكن تدوينتك هذه كزبدة الحديث جاءت بعد صمت طويل (أظنه كان )

    ليس لدي تعليق على ما كتبت فلم تترك للحديث مجال ولا القليل من الانتقاد .

    جميل ما كتبت وتحياتي لك .

  • 3bdulsalam

    أنس، ياسين، هند . . كلامكم ومديحكم غمرني جدا

    كل الشكر والمحبة على الثناء الجميل.

    تحياتي.

  • العجيب

    مقال جميل و تم الحفض عشان اكمله في البيت :-) مشكور اخي عبدالسلام

  • Billal

    Hi Abdulsalam,
    Your post raises question in my mind. Was the Islamic history a chapter after chapter of oppression, except of handful of bright periods?

    When you meet young generation in the middle east you hear the words: “we are a nation that only can be govern by insult and shoes”
    Is that means dictators won the battle destroyed their people and can sell them anything slogan. My favorite is when he tells them: God is protecting your country.
    Like do not worry God on our side and God told that and so people keep doing the same thing.
    Do you think that this m

    Do you think this new medium of internet going to change that formula to the people side or tyrannies also won the this battle too.

    • 3bdulsalam

      هلا بلال، السؤال اللي خطر على بالك يحتاج إلى دراسة لوحده، ولو أني أجزم أنه تاريخنا كله وليس بدءا من الإسلام هو عبارة عن تاريخ طويل من القمع ابتداء من الحضارات القديمة وانتهاء باليوم . . والأمثال الشعبية خير دليل على ذلك ” العصى من الجنة ” ونحن شعب ما بيجي غير بالضرب وقس على ذلك !

      أيضا الحكام في الحضارات القديمة كانوا يعتبرون أبناء للآلهة بل إن بعضهم كان يعتبر ثلثه إله كجلجامش ملك مدينة أورك.

      وللأسف الدكتاتورية الإستبداد هي المنتصرة حتى هذه اللحظة بفعل عوامل عديدة أهمها موروثنا الحضاري اللي حكينا عنه فوق واللي أثار فيك هالتساؤل.

      لا أستطيع المراهنة على الصحافة الشعبية وما أتاحته شبكة الإنترنت من تقنيات، لكن بالتأكيد هي ستحدث تغيير نحو الأفضل على أية حال، وكما قلت انت مرة في هذا المكان أن عصر اليوم حرم الدكتاتوريين القدرة على كتم الحقيقة وإبقاء الشعب معزول عما يدور حوله، أو حجب ما يجري على الشعب عن الآخرين.

      خالص التحية.

  • عطية الويشي

    تحياتي لك أخي العزيز وتقديري على هذا العرض الرائع الماتع.. والقراءة الناضجة لِنَصٍّ من بقايا الزمن الجميل… الذي إنْ دَلَّ، فإنما يدُلُّ على عقليةٌ واعيةٍ ذكية نقية شفّافةٍ!… تحياتي وحُبِّي

    • 3bdulsalam

      أهلا وسهلا أخي عطية . . وشكرا على الإطراء والكلام الجميل.

      مع التحية

      • مروة

        لن أبالغ إن قلت أنني لم اقرأ منذ زمن قراءة ناضجة كهذه!!

        أشكرك رفيق عبد السلام مرتين على عرضك الرائع مرة وعلى أنك ذكرتني بقراءة كتاب طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي مرة.
        وهذا رابط تحميل الكتاب لمن يريد الاطلاع

        http://www.4shared.com/file/73994110/d7736e69/__-____.html

        • 3bdulsalam

          أهلا وسهلا مروة . . جميل مرورك وشكرا للإطراء ولرابط كتاب طبائع الإستبداد، للأسف رغم صيت الكتاب ومؤلفه إلا أنني لم أحظى بقراءته حتى هذه اللحظة وهذا ما سأفعله قريبا.

          شكرا مرة أخرى.

  • توبيكات

    رائع ,, شكرا جزيلا ..

  • دردشة عراقية

    مشكووووووور
    مشكووووووور
    مشكووووووور
    ع المعلومات

9 التعقيبات لهذه التدوينة

اترك تعليقاً

هل تبحث عن شيء ما?

استخدم مربع البحث في الأسفل للبحث في الموقع:

إذا لم تجد ما تبحث عنه الرجاء مراسلة إدارة الموقع للتنبيه!



كبريتات المدونة