ما الوطن؟

بواسطة في ديسمبر.21, 2009, تحت تصنيف الساعة الخامسة والعشرون

في حديث مشترك مع أحد الأصدقاء طغت التساؤلات التالية: من أهم الأرض أم الإنسان، ومن يعطي من، ولماذا دائما نجعل الوطن أهم من الإنسان، أليس الإنسان هو المخلوق الأسمى والأكرم في الكون، أليس الإنسان هو الذي يعطي الأشياء معانيها، ومن هو الإنسان الوطني من غير الوطني وعلى أي أساس، وهل الوطن الذي لا يعطيك شيئا سوى بطاقة هوية، وطن؟ وهل الوطن الذي يجعل أبناؤه من مناضلين ومبدعدين وأناس عاديين متسولين في الوطن . . وطن؟

يصنعك الوطن و تصنعه، الرجل يتحول أرضا، الرجل غدا هو تراب الوطن، و كلما ضم واحد منا التراب كلما سكن الوطن فينا أكثر، وهو يصير وطنا بانتمائك إليه، بدونك هو أرض لا يكون حقيقة إلا حين تنعكس فيه و ينعكس فيك، فأنت شمسه و هو قمرك، و يتقدس الوطن فيك. 

الإنسان أغلى شيء في الحياة و أغلى من الأرض لكن الموت يفتدي كرامة الحياة يموت الإنسان و يستشهد على الأرض كي لا يذل الكائن الذي فيه. منصور الرحباني.

جميلة بوحيرد تتسول في الوطن على وطن . . وقبلها حنا مينا يبيع ذاكرته لعله يحصل على وطن!

مرحبا يا وطن.

مواطنون دونما وطن
مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن
نحن بغايا العصر
كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن
نحن جوارى القصر
يرسلوننا من حجرة لحجرة
من قبضة لقبضة
من مالك لمالك ومن وثن الى وثن
نركض كالكلاب كل ليلة
من عدن لطنجة
ومن طنجة الى عدن
نبحث عن قبيلة تقبلنا
نبحث عن ستارة تسترنا
وعن سكن…….
وحولنا أولادنا
احدودبت ظهورهم وشاخوا
وهم يفتشون في المعاجم القديمة
عن جنة نظيرة
عن كذبة كبيرة … كبيرة
تدعى الوطن
مواطنون نحن فى مدائن البكاء
قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء
حنطتنا معجونة بلحم كربلاء
طعامنا ..شرابنا
عاداتنا ..راياتنا
زهورنا ..قبورنا
جلودنا مختومة بختم كربلاء
لا أحد يعرفنا فى هذه الصحراء
لا نخلة.. ولا ناقة
لا وتد ..ولا حجر
لا هند ..لا عفراء
أوراقنا مريبة
أفكارنا غريبة
أسماؤنا لا تشبه الأسماء
فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا
ولا الذين يشربون الدمع والشقاء
معتقلون داخل النص الذى يكتبه حكامنا
معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا
معتقلون داخل الحزن ..وأحلى ما بنا أحزاننا
مراقبون نحن فى المقهى ..وفى البيت
وفى أرحام أمهاتنا
حيث تلفتنا وجدنا المخبر السرى فى انتظارنا
يشرب من قهوتنا
ينام فى فراشنا
يعبث فى بريدنا
ينكش فى أوراقنا
يدخل فى أنوفنا
يخرج من سعالنا
لساننا ..مقطوع
ورأسنا ..مقطوع
وخبزنا مبلل بالخوف والدموع
إذا تظلمنا إلى حامى الحمى
قيل لنا : ممنوع
وإذا تضرعنا إلى رب السما
قيل لنا : ممنوع
وإن هتفنا ..يا رسول الله كن فى عوننا
يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع
وإن طلبنا قلما لنكتب القصيدة الأخيرة
أو نكتب الوصية الأخيرة
قبيل أن نموت شنقا
غيروا الموضوع
يا وطنى المصلوب فوق حائط الكراهية
يا كرة النار التى تسير نحو الهاوية
لا أحد من مضر ..أو من بنى ثقيف
أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف
زجاجة من دمه
أو بوله الشريف
لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة
أهداك يوما معطفا أو قبعة
يا وطنى المكسور مثل عشبة الخريف
مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا
مهجرون من أمانينا وذكرياتنا
عيوننا تخاف من أصواتنا
حكامنا آلهة يجرى الدم لأزرق فى عروقهم
ونحن نسل الجارية
لا سادة الحجاز يعرفوننا ..ولا رعاع البادية
ولا أبو الطيب يستضيفنا ..ولا أبو العتاهية
إذا مضى طاغية
سلمنا لطاغية
مهاجرون نحن من مرافئ التعب
لا أحد يريدنا
من بحر بيروت إلى بحر العرب
لا الفاطميون ..ولا القرامطة
ولا المماليك …ولا البرامكة
ولا الشياطين ..ولا الملائكة
لا أحد يريدنا
لا أحد يقرؤنا
فى مدن الملح التى تذبح فى
العام ملايين الكتب
لا أحد يقرؤنا
فى مدن صارت بها مباحث
الدولة عراب الأدب
مسافرون نحن فى سفينة الأحزان
قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
مكومون داخل الأقفاص كالجرذان
لا مرفأ يقبلنا
لا حانة تقبلنا
كل الجوازات التى نحملها
أصدرها الشيطان
كل الكتابات التى نكتبها
لا تعجب السلطان
مسافرون خارج الزمان والمكان
مسافرون ضيعوا
نقودهم ..وضيعوا متاعهم
ضيعوا أبناءهم ..وضيعوا
أسماءهم..وضيعوا إنتماءهم..
وضيعوا الإحساس بالأمان
فلا بنو هاشم يعرفوننا ..ولا بنو قحطان
ولا بنو ربيعة ..ولا بنو شيبان
ولا بنو لينين يعرفوننا ..ولا بنو ريجان
يا وطنى ..كل العصافير لها منازل
إلا العصافير التى تحترف الحرية
فهى تموت خارج الأوطان.

نزار قباني

17 تعليقات لهذه التدوينة

  • walid

    بعدما إندمج الحاكم بالوطن وأصبح – حـّـلاج الزمان : الحاكم هو الوطن و الوطن هو الحاكم , أما نحن فأصبحنا كاميكاز الزمان .. ننحر بطوننا أمام العرش الأمبرطوري … باسم الوطن …
    و أصبح للوطن يا صديقي نكهة (( الكافيار )) فقط الأغنياء , بل الأغنياء جدا يعرفوف طعمها … أما نحن فأدمنا رائحة أحشاء السمك العطنة… هذا ما تركوه لنا بعد وليمة وطن …
    تقبل مروي

  • سعيد الامين

    الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن

  • 3bdulsalam

    وليد:

    الإرتباط العضوي والتداخل حد التماهي بين مفهوم الوطن والنظام السياسي أحد الجوانب المهمة من المشكلة يا صديقي.

    شكرا على مرورك العطر الذي تقبلته بروح رياضية :)

    كل التحية.

    سعيد:

    صدق القائل.

    أهلا ومرحبا بك.

  • هند

    الوطن هو المبدأ والمنطلق والغاية , هو الذات اللتي نستمد منه كياننا وجوهرنا وحقيقتنا , هو عقيدة ونظام , حبه يزرع بداخلنا انتفاضة من اعظم انتفاضات النفوس ليدفعنا من داخلنا برغبة جامحة على البقاء الجماعي .
    ولكن للاسف كم من الرجال قد خذلوه .

    رائع اختيارك عزيزي لقصيدة نزار القباني .والحديث عن الوطن أروع .

  • أيمن الظريف

    مواطنون دونما وطن
    هكذا نعيش نحن
    قصيدة معبرة وجميلة من الشاعر نزار
    شكرا لك اخي عبد الله
    اخوك ايمن

  • 3bdulsalam

    هند:

    كلامك جميل جدا جمال الوطن الذي نحلم به.

    أيمن:

    هو ذا حالنا يا صديقي

    أهلا بكما دائما

  • Godfather

    كرامتنا صارت بالارض كرمال الوطن
    جعنا كرمال الوطن
    بردنا كرمال الوطن
    لك خرسنا كمان كرمال الوطن

    وبعدين ؟
    انو وطن اللي بيرضى يصير بشعبو هيك !!

  • باسم سليمان

    الوطن قليل منه يفرح القلب ولكن كثيره يذهب بالعقل

  • Godfather

    الى باسم سليمان
    والله انو كلامك درر وذهب

  • باسم سليمان

    مدونة جميلة
    وشغل حلو
    محبتي

  • باسم سليمان

    من لا يملك منه شيئا؟
    يملك الكلمة والفكرة ويكفي الاخرين شر تطبيقها بحدود برية وجوية وبحرية
    محبتي

  • 3bdulsalam

    أشكر رأيك وإطراءك إستاذ باسم وأهلا ومرحبا بك دائما

  • ayham

    بما أن المقارنة بين الوطن و الإنسان …
    فلا إنسان دون وطن و لا وطن دون إنسان …
    علاقة متلازمة بشكل جدلي و إيحاناً تأخذ شكلاً حلولياً إندماجياً … كما عند الحلاج .

    هذه المقارنة لن يجيب عنها سوى من يموت لأجل وطنه . و الوطن الذي يبكي و هو يدفن أبناءه بين ذرات ترابه .

    • 3bdulsalam

      كلامك صحيح يا صديقي من ان العلاقة بين الوطن والإنسان علاقة جدلية لا تستوي فيها المقارنة كما ينبغي، غير ان الإجحاف بحق أحد طرفي هذه العلاقة سيؤدي إلى تفريغها من معناها كليا . . وفي البد كان والإنسان موجودا.

      مع التحية

  • القومي

    الانسان بلا وطن
    كالأنسان بلا عيون
    لان الأنسان يرى الوطن من عيون التفاعل الموجوده
    فالانسان بلا وطن وشعور الوطني كالوطن بلا أنسان
    وكرامت الأنسان بأرضه وعرضه وبلا وطن لاانسان ولا حتى كرامات ولا حريات

3 التعقيبات لهذه التدوينة

اترك تعليقاً

هل تبحث عن شيء ما?

استخدم مربع البحث في الأسفل للبحث في الموقع:

إذا لم تجد ما تبحث عنه الرجاء مراسلة إدارة الموقع للتنبيه!



كبريتات المدونة