تستعر على الساحة العربية منذ فترة ليست بالقليلة سجالات لا يمكن تصنيفها بالسجالات الفكرية بالمعنى العميق لكلمة فكر، بين فريقين على طرفي نقيض في المنطلقات والمنهج والرؤية، رغم وجود مساحة مشتركة بينهما على مستوى طموحات التنمية والإزدهار وبعض الأهداف الأخرى، إلا أن كلا الفريقين مشغولين بمحاولات نسف بعضهما البعض من خلال أساليب سطحية تفتقر إلى جدية الطرح وعمق الرؤية، وهذا الأمر إنعكاس للأزمة والتخبط الذي يعيشانه ونتيجة طبيعية لغياب مشروع فكري حقيقي متكامل الأركان.
لكن لا بد من القول أن مظاهر وتجليات الخلاف نابعة أساسا من محاولة تقديم إجابة على السؤال القديم المتجدد: ما الحل وما هو المنهج للتغيير؟
والحقيقة أن كل الفلسفات والنظريات جاءت لتجيب على هذا السؤال المحوري بما فيها الأديان – وأنا شخصيا عندما أتناول الدين أتناوله كفكر مثله مثل غيره طالما أنني أريد الإقتناع به عقلا لأتمكن لاحقا من التسليم "مطمئنا" لكل الغيبيات التي جاء بها.
أما الإحتجاج الذي يورد بحق الدين من أنه يشتمل غيبيات لا يمكن للعقل والتجربة التحقق منها وإثباتها يدين تلقائيا كل الفلسفات على الأقل الأساسية منها بنفس الإدانة كونها أيضا تشتمل على غيبيات لا يمكن التحقق منها، أما تهمة أو صفة المقدس التي يعتبرها البعض عائقا أمام حرية النقد أو أمام عقلانية الفهم، فتزول تلقائيا طالما أنني اعتبرته فكر.
فالقداسة تأتي كنتيجة لاحقة للتسليم به والإقتناع بما جاء وأقصد هنا القرآن حصرا وليس الفكر الديني المتمخض عنه.
والحق يقال أن الدوران في التفاصيل والعمل على طريقة الرد والرد المقابل بين الفريقين على كل جزئية بجزئية تقابلها لن تفضي الى شيء، ببساطة لأن ممارسة النظرية أو الفكر من خلال الطبيعة البشرية وتعقيدات الواقع واختلافه من مكان لمكان ومن زمان لآخر يؤدي بشكل طبيعي الى أخطاء ترتكب عمدا أو بدون قصد أو أخطاء نابعة من صلب النظرية، وبهذا يتشكل زادا وفيرا من التفاصيل الصالحة لمن يريد استخدامها كشواهد إدانة للفكر الذي يمارس على أرض الواقع.
لكن الحكم يكون على مجمل النظرية من خلال الممارسة والنتائج المحققة هو الأصل والفصل، الممارسة هي المحك الحقيقي.
كيف التغيير وما المنهج المطلوب لذلك؟
المزيد …