قراءة في الانتفاضات العربية على ضوء الفلسفة والتاريخ

بواسطة في مايو.22, 2013, تحت تصنيف أخبار وفعاليات

الإنتفاضات العربيةانتهيت من قراءة كتاب الانتفاضات العربية على ضوء الفلسفة والتاريخ، لمؤلفه هاشم صالح، وهو سوري مقيم في فرنسا منذ سنوات طويلة، يعمل بالترجمة والتأليف.

لا يزال الحديث عن الربيع العربي حديث غير ناجز لتجارب غير مكتملة وعليه لن يكون أي كلام يقال عنها إلا رصد لحظي ومجزوء لثورات لا تزال في سيرورتها ولم تثمر بعد نتائج واضحة أو نهائية تصلح للحكم الموضوعي عليها. الثورات العربية اليوم في مرحلة تحطيم القيود وتحرير الظروف الموضوعية التي ستجعل الشعب يواجه حاضرا تعصف به مشاكل الماضي، بعضها له جذور عميقة في التراث، وبعضها الآخر نتاج أنظمة القمع العربية، وبكل الحالات كانت الأنظمة تعمل على تجميد كل المشاكل ومراكتمها دون حل، لذلك نراها تتفجر اليوم كما تتفجر البراكين والزلازل.

يحاول هاشم صالح، تناول الربيع العربي من منظور الفلسفة والتاريخ، لكن جهده لم يرقَ إلى مستوى العنوان رغم المحاولة. ومع ذلك، أجد أن المؤلف شخّص حالة موضوعية تعيشها كل ثورات الربيع العربي، وهي أن الثورة بدل أن تضعنا على طريق الدول المتحضرة نراها أعادتنا إلى الوراء وأغرقتنا بمشاكل ماضوية وصراعات طائفية مع عودة قوية لتيارات الإسلام السياسي والتي لا تزال على قطيعة مع المفاهيم الحداثية من مساواة ومواطنة، رغم أن بعضها يعلن تأييده لهذه القيم لكنه تأييد لا يستند إلى ركيزة فكرية صلبة قدر ارتكازه على الضرورة الواقعية. وبعض تلك التيارات نراه يعود بحمولة الماضي كله حتى على مستوى الشكل السياسي للدولة، أي حلم إقامة دولة الخلافة. حتى الشعب السوري أظهر قدرا كبيرا من التشبث بالماضي ورموزه، وهو ما نلمسه في أسماء الجمع والكتائب المسلحة.

هناك ثقل كبير للماضي والتراث في وعينا، وهو أمر لا يمكن القفز عليه بالشعارات  أو بالأماني. قد يبدو لكثيرين أن الثورة انحرفت عن مسارها، أو أنها ثورات زادت حدة السعار الطائفي وأغرقتنا بمشاكل كنا في غنى عنها، ولم تثمر سوى عن وصول الأحزاب الإسلامية إلى الحكم.

غير أن المؤلف يحاول تفسير هذه الظاهرة بالعودة إلى هيغل وفلسفته عن التاريخ، هيغل يرى أن حركة التاريخ تسير إلى الأمام لكنه يضطر أحيانا إلى العودة للوراء لكي يقفز إلى الأمام، العودة إلى الوراء ضرورية لتصفية الحسابات التاريخية، ولتفكيك الإنغلاقات التراثية الضخمة المتراكمة على مدى العصور، لا يمكن تخطي الطائفية مثلا، مالم نواجهها ونشتبك معها وندفع الثمن اللازم لذلك.  وهو ما يحدث اليوم في عموم الدول التي حصلت فيها ثورات، وهو أيضا ما يفسر سيطرة التيارات الإسلامية، أي العودة إلى الماضي لمواجهته وتفكيك الهالة المقدسة له باختباره على أرض الواقع وتركه يحكم وفق منظومته الفكرية. وعلى عكس ما قد يعتقده البعض، فإن سيطرة الأحزاب الإسلامية ووصولها إلى الحكم هو ليس انتصار نهائي لها بقدر ما هو بداية انحسارها، فيما لو لم تكن قادرة على تطوير فهم جديد للإسلام واستنباط تأويلات عصرية له تسهم في تطوير بنيتها الفكرية وتقديم حلول ناجعة لمشكلات العصر وتحدياته، وبذلك نتخلص من سطوة المقدس باكتشاف بشريته وقصوره الهائل عن تلبية متطلبات العصر إذا ما بقيوا يحملون نفس العدة الفكرية التقليدية. هذا ما يسميه هيغل “مكر التاريخ” أو العامل السلبي. إذ أن العقل يحقق أهدافه في التاريخ باستخدام العوامل السلبية المعيقة للتقدم من أجل التقدم ذاته.  إنه أمر يبعث على التفاؤل مهما بدى لنا سوء الحاضر.

 المزيد …


بيانات خالية من البيان

بواسطة في أبريل.18, 2013, تحت تصنيف أخبار وفعاليات

بيانان صدرا خلال الأسبوع المنصرم، الجامع بينهما أنهما صدرا عن أطراف إسلامية، الأول كان من جبهة النصرة ردا على إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام وتنصيب أبو بكر القرشي البغدادي نفسه خليفة للدولة الجديدة، والثاني كان من جماعة الإخوان المسلمين، ردا على “هجمة التشويه والإفك” التي طالت الجماعة على نحو ما يبدأ به البيان.

بيان طويل لا يضيف معنى جديد ولا يجيب عن شيء

لا يقول بيان الإخوان شيئا سوى العموميات ولا يعالج أو يوضح نقاطا معينة مما تتهم به الجماعة من استئثار ومحاولة للسيطرة على قرار التجمعات المعارضة، وهو بيت القصيد في عموم ما قيل عنهم في الأيام الماضية، وهو ما يفترض بهم الرد عليه بمكاشفة وصراحة بعيدة عن التدبيج الخطابي. غير أن البيان بقي يدور في فلك البيانات الحزبية التي تعودنا عليها.

  يبدأ بأنه رد على حملة التشويه والإفك والتي طالت الجماعة مؤخرا، ولقطع الطريق على “دعاة السوء” الذين تفننوا  بإلحاق الأذى بهذه الثورة. يعتقد القارئ أن أبواق النظام وأعداء الثورة هم “دعاة السوء” لكن المعنى يصبح أكثر ضبابية في الفقرة الأولى التي توضح طبيعة الهجمة على الجماعة، ليشمل كل من هاجم وانتقد طغيان الشعارات الإسلامية على الشعارات الوطنية وكل من انتقد أسماء الجمع، وبذلك يستطيل المعنى ليشمل شريحة واسعة من الثوار ومناصريهم!

واعتبار هذا النقد الذي ما انفك يتكرر منذ بدء الثورة هجوما على الجماعة، في مطابقة واضحة بين الإخوان والثورة. صحيح أن النص الصريح يعود وينفي التطابق من خلال الإقرار بأنها ثورة شعب لم يقم بها حزب أو جماعة ولا يمكن لأي طرف سياسي ادعاء الفضل فيها، لكن النص يشي بأن المعنى يحوم في وعي الجماعة وفي تلافيف بيانهم، على نحو ما أشار فارس البحرة في مقالته المعنونة “الإخوان البعثيون”. ويمكن إرجاع هذه المطابقة إلى مطابقة أولية بين الإسلام والإخوان، وأن ما هو إسلامي هو إخواني بالضرورة، وهي مطابقة منفية على مستوى البيان الصريح لكنها حاضرة بقوة على مستوى السياق الخطابي والممارساتي. فضلا عن اعتبار السنّة الحاضن الإجتماعي للإخوان وقاعدتهم الشعبية، وأي ميل ديني يظهرونه يعتبر اقتراب من المشروع السياسي للجماعة، وهو ما تشي به العبارة التي ابتدأ بها البيان: ” إلى أخوة الدين والعقيدة . . وإلى شركاء الوطن في سورية الحرة الأبية. “

 المزيد …


حول ضرورة تمثيل الثوار سياسياً

بواسطة في أبريل.10, 2013, تحت تصنيف الساعة الخامسة والعشرون

authenticated-225x145سورية بلد عمره قصير نسبيا على مستوى الكيان السياسي، والحياة السياسية أقصر فيه بكثير، مضطربة صحيح غير أنها كانت مبشرة وتسير باتجاه النضج في ظل الدور الذي كانت تلعبه الجامعات والنقابات، مصيبتها كانت في الدور السلبي والإستحواذي الذي مارسته المؤسسة العسكرية . . أجهزت عليها بالنهاية ثلاثة أحداث متعاقبة: الوحدة مع مصر، إنقلاب 8 آذار وأخيرا مجازر الثمانينات.

ما يهم الآن أن الثورة حصلت وأعادت المجال العام لعموميته وصارت السياسة متاحة من جديد. والمظاهرات السلمية ساعدت على انخراط أعداد هائلة من السوريين في العمل العام، و كانت بمثابة “روداج” لتحريك مفاصل الحياة السياسية، حيث تمخضت عن هيئات عمل سميت “التنسيقيات” مهمتها تنظيم وإدارة التظاهرات مناطقيا. ولأسباب متنوعة لم تتطور التنسيقيات إلى كيان تنظيمي أكبر وبقيت تراوح في حدود لحظة تشكيلها.

   سنتان من عمر الثورة كشفت عدة أمور:

الأول: النظام سيسقط عاجلا أو آجلا، وبالتالي سنقف أمام إستحقاق خلق نظام سياسي جديد.

الثاني: الأحزاب التقليدية عاجزة تماما على مواكبة الثورة سياسيا وغير قادرة على جذب دماء جديدة ، وقد قيلت مطولات في تبيان مساوئ المعارضة ونقد جمودها السياسي حتى أصبح الأمر وكأنه تمثيل في جثة ميت.

الثالث: لا يوجد حتى اللحظة أي بديل سياسي يمكن لنا الثقة بقدرته على إدارة المرحلة الإنتقالية. وتحالف عدة فصائل سياسية سيكون حشد لعيوب هذه الفصائل على غرار التحالفات والهيئات الموجودة حاليا.

الرابع: غياب أي تمثيل سياسي للثوار والشباب الذين قاموا بالثورة وقدموا فيها تضحيات خرافية.

 المزيد …


الجمهورية السورية

بواسطة في أبريل.03, 2013, تحت تصنيف الساعة الخامسة والعشرون

Syrian Republicلم يأتِ رفع علم الثورة من قرار واعٍ ومقصود بل نتيجة لاتساع زخم الثورة شعبيا، وحاجة الثوار إلى رمز يميزهم عن النظام ومريديه كنوع من المفارقة والقطيعة مع النظام ورموزه كافة. هذا معنى من معاني الثورة السورية أيضا، ترافق ذلك مع جو عام يستعيد سورية ما قبل البعث ويستذكر رجالاتها كما لو أنها محاولة لاستئناف ذلك التاريخ والقفز على مرحلة البعث ونظام الأسدين على غرار ما فعل الليبيون . .  علم الاستقلال هو ما يمثل كل ذلك.

لا أنكر أنني وكثيرين لم نستسغ العلم القديم الجديد بداعي عدم الاعتياد عكس العلم الأحمر، غير أن الموقف النفسي من العلم تغير مع انتشاره ومع قوة ووضوح الرسالة التي يحملها . . سورية جديدة بعلم جديد مرتبط بذكرى الاستقلال الأول.

لم يبقى من سورية البعث على المستوى الرمزي سوى إسم الدولة: الجمهورية العربية السورية.  إسم الدولة قبل البعث كان الجمهورية السورية، بعد الإنفصال بين مصر وسورية واستلام حزب البعث مقاليد الحكم بانقلاب 8 آذار تم اعتماد التسمية الحالية لسورية على اعتباره معبر عن التوجه الأيديولوجي للحزب وأيضا كنوع من المزاودة على جمال عبدالناصر كونه كان رمزا للقومية العربية في تلك الفترة. إضافة “العربية” في مسمى الدولة مسعى أيديولوجي لا يضيف للواقع شيئا. هو نوع من تعريف المعرف، أو تشغيل الغماز على طريق ذي مسار إجباري، سورية عربية بحكم واقعها الديموغرافي وإسلامية لذات السبب.

غير أن الإسم من حيث المبدأ يثير حساسيات السوريين غير العرب، ويحمل تفضيلا لسوريين على سوريين آخرين، وإذا ما ربطنا التسمية بتاريخ معتبر من الممارسات التفضيلية يصبح الأمر مشكلة حقيقية تحتاج إلى حل جذري.

 المزيد …


إضاءات “سورية” 6: إسقاط الأصنام

بواسطة في مارس.11, 2013, تحت تصنيف قدحة كبريت

إسقاط تمثال الأسدفي عام 1994 جاء إلينا مدرب الفتوة المرعب مخطوف  اللون، وبصوت مرتجف يستجدي الدموع قال: لقد استشهد الرفيق باسل!

ساد الصمت والذهول في القاعة وعلت التساؤلات في رؤوسنا، من هو الرفيق باسل؟! غير أن دموع مدرب الفتوة جعلتنا ندرك أن موته مصيبة وطنية وأنه شخص مهم في التوازن الاستراتيجي!

لم ننتظر كثيرا حتى عرفنا أنه باسل الأسد، الإبن البكر للرفيق القائد حافظ الأسد، . . عم الحزن سورية، واحتل اسم الشهيد الكثير من المنشآت، واهتم مدرب الفتوة وصحبه من الرفاق في قيادة فرع الشبيبة في تحفيظنا سلسلة الألقاب واجبة الذكر قبل نطق اسمه . . واجب دراسي آخر أضيف إلى واجباتنا.

موته أثار مشاكل كثيرة، أهونها كان تدبر بديل آخر له، “كلنا باسل” لا تكفي. صورة  لشاب لا تستر بدلته العسكرية ملامح البلاهة البادية على محياه وتحتها “بشار أنت الأمل” كانت أكثر من كافية. المشكلة التي أتعبت مدربي الفتوة والرفاق في فرع الشبيبة هي كيفية اختصار سلسلة الألقاب تلك! غير أن القيادة وبعد طول عناء اختصرت الألقاب إلى الحد الأدنى من الملل والرتابة  المصاحبة لذكر اسم الشهيد.

ملأت صور باسل ببدلة المارينز سورية ومثلها صورة بشار في بدلة مماثلة، لم تكن البدلة العسكرية سوى  إشعار مهم أن الحكم العسكري هو حاضر سورية ومستقبلها.

 المزيد …


إضاءات “سورية” 5

بواسطة في فبراير.25, 2013, تحت تصنيف قدحة كبريت

20130221-125101-225x145ثمة سردية رائجة حول النظام، تعاظمت أثناء الثورة، تفيد أن النظام مجرم والسلطة فاجرة والمخابرات لا ترحم أحدا . . العنف طبيعة ثابتة لهذا النظام.

عاش السوريون حياتهم بضوابط هذه السردية، وبفضلها بقي قسم لا بأس به من الشعب على الحياد خوفا من بطش النظام، بعضهم الآخر حمل الثوار مسؤولية ما يجري لهم من قتل عندما كان يستخدم النظام الكلاشينكوف في تفريق المظاهرات. لأن النظام يتصرف وفقا لطبيعته وبما هو متوقع منه، أما الذين قتلوا فسوء خياراتهم هي التي أودت بحياتهم!

بدأ النظام بمضاعفة جرعات العنف (مدفعية، دبابات، هاون، مجازر بالأسلحة البيضاء . . الخ)، لم يثر ذلك شعورا بالدهشة لدى غالبية السوريين، أثار مشاعر القهر والغضب والرغبة في الإنتقام وكل شيء عدا الدهشة . . هذا ما هو متوقع من النظام!

ربما استخدام طائرات الميغ أدهشنا قليلا، فهي سابقة حقيقية في التاريخ. ومع براميل ال TNT زالت الدهشة وحل محلها الغضب. ولو أردت تعريف الدهشة أو تمثيلها، لما وجدت أفضل من صفقة تبادل الأسرى التي أجراها النظام مع الثوار وأطلق بموجبها سراح سوريين مقابل أسرى إيرانيين. وأن يصرح مسؤول في دولة أجنبية أن سورية هي المحافظة الـ 35 ولا يصدر أي استنكار رسمي على الأقل فهو منتهى اللامعقولية خصوصا أنه نظام لطالما اعتقل السوريين بحجة النيل من هيبة الدولة ويقتلهم اليوم بدواعي السيادة!

واليوم يستخدم النظام صواريخ سكود في قصف المدن! صواريخ سكود هي صواريخ باليستية، كان يتفاخر بها وبمنظومته الصاروخية الرادعة لإسرائيل، دفعنا ثمنها من عرقنا ولقمتنا وحريتنا، يلقي بها بكل أعصاب باردة على مدن سورية! لغتي لا تسعفني لإظهار حجم الدهشة مما يحدث . . إنه نظام مدهش حقا!

نعم النظام مجرم ومتوقع منه كل الفظائع والشناعات، لكن لا ينبغي لنا أن نفقد شعور الدهشة مما يجري. الدهشة شعور سوي وفطري حيال ظواهر وتصرفات غير معقولة، إنها تؤشر إلى أننا بشر طبيعيين بمشاعر غير متبلدة ذات حساسية إزاء الصواب والخطأ، الجريمة والعقاب، الحق والباطل، المعقول وغير المعقول . . أن نفقد الدهشة جريمة أخرى تضاف إلى سلسلة الجرائم في حقنا.

*********

 المزيد …


أعداء النظام . . عامٌ من الإنتقام

بواسطة في فبراير.20, 2013, تحت تصنيف أخبار وفعاليات

365

(1)

لم يقلق النظام في بداية الثورة ممن يتظاهرون. فاستنادا إلى خبرة سابقة، لا مشكلة مع تظاهر عدد محدود من الناس في مناطق محدودة –على حرمانيته الملطقة- طالما النظام يملك القدرة والقوة على سحق المتظاهرين وتحويلهم إلى درس عملي ينعش ذاكرة محكوميه ويقوِّم نشوزهم. المشكلة كانت مع الذين يوثقون المظاهرات وينشرونها للعلن. وهي مشكلة فعلاً، لأن من يقوم بذلك لا يكتفي بممارسة العمل الاحتجاجي، بل يقوم بتوثيقه أيضا، مما يخلق تاريخا غير التاريخ الرسمي، ورواية غير الرواية الرسمية، فأمام عشرات ومئات ولاحقا آلاف الفيديوهات تنهار مقولة “التاريخ يكتبه المنتصرون”، وفيها إيضا إشهار بأن هناك سوريون تخطوا عتبة الخوف وقالوا لا في وجه العدم، وتاليا سيتشجع آخرون في مناطق أخرى للإنخراط في الحركة الإحتجاجية. الجانب الثالث للمشكلة، تقييد قدرة النظام العنفية في تعامله مع المتظاهرين. لقد اشتغل النظام كثيرا على صورته أمام الرأي العام العالمي، ويكاد يكون برنامج عمل بشار الأسد منذ استلامه الحكم محصور في هذه النقطة، وكل ما يشاهده المواطن من تحسنيات هنا وهناك تخدم الصورة “التجميلية” للنظام في عيون العالم. الإفراط في القتل سيهدم جهد السنوات العشر الماضية.

مع مرور الوقت تحققت كوابيس النظام كافة، الثورة انتشرت والعنف المحدود نسبيا الذي مورس في بداية الثورة، لم يكفي لردع الثوار، وبنفس الوقت بدأ في تهشيم  صورته أمام الرأي العام العالمي. وأصبح النظام يواجه مشكلة جديدة غير توثيق المظاهرات والإنتهاكات . . سلمية المظاهرات، لا مبرر أخلاقي لمواجهة تظاهرات سلمية بالرصاص، والرصاص لا يكفي لإسكاتهم، صورته في تدهور متواصل . . لا بد من حل ما، ولا يجيد النظام سوى العنف، إذا العلاج بالصدمة يبدو خيارا مناسبا يتماشى مع عقلية النظام وخبراته. يحقق العنف الصادم هدفين، يكفيه تحقق أحدهما، الأول: إرعاب الشعب وكسر شوكته، فتتراجع التظاهرات وتنحسر بشكل تام، وبذلك تنتهي الثورة/المشكلة. الثاني: تضاعف القتل، وكثرة المجازر ستدفع الناس إلى حمل السلاح عاجلاً أو آجلاً للدفاع عن حيواتهم، وبذلك يسقط الحرج الأخلاقي عن النظام وتصبح روايته عن قتاله لمجموعات إرهابية مسلحة منسجمة مع الواقع.

بالتوازي مع ذلك، عمد إلى تصفية واعتقال الناشطين السلميين، ودفع البقية إلى الهرب خارج البلاد، كان يريد تفريغ الثورة من رموز السلمية ودعاتها، ليحل محلهم المؤمنين بالحل العسكري، هذا مفيد للهدف الثاني في الأعلى. ويمكن النظر لتصفية غياث مطر المفزعة على أنه انتقام النظام من العمل السلمي.

 المزيد …


سيف النصرة والغمد السوري

بواسطة في فبراير.15, 2013, تحت تصنيف الساعة الخامسة والعشرون

66778888-225x145يمكن القول أن الرأي القائل بوجوب إسقاط النظام بأي وسيلة كانت وبيد كائنٍ من كان، بات يخضع لمراجعة نقدية ولتحديات تشير إلى عدم صوابيته التامة بشقه الأخير بفضل الظهور الإشكالي لجبهة النصرة وما شابهها من تنظيمات أصولية، تشترك مع الثوار في قتالهم النظام وتفترق عنهم بكل شيء عدا عن ذلك.

رغم المخاوف الكثيرة التي يثيرها وجود مثل هذه التنظيمات وما تستند إليه من فكر متشدد ذو سيرة غير حميدة، إلا أن هناك نوعا من الطمأنينة من أنها تنظيمات طارئة في ظرف استثنائي نحتاج فيه إلى كل رصاصة من شأنها فت عضد النظام، وأن المجتمع السورييملك مناعة ذاتية ازاء الفكر الذي تمثله هذه التنظيمات، استنادا إلى التنوع الطائفي الكبير ولطبيعة التدين السوري المعتدل ذي النكهة الصوفية، وتاريخ العيش المشترك والمتداخل في سورية، أو ما تختصره عبارة “الشعب السوري مختلف”. . من قال ذلك!

الإرتماء في حضن الطمأنينة لا يبدو خيارا صائبا خصوصا إزاء أفكار تحتاج لمراجعة دائمة في ضوء صيرورة المجتمع وتغير بناه التحتية والفوقية. وعليه، هل المجتمع السوري عصي على تقبل أفكار متشددة؟ إلى أي حد توجد لدينا القابلية لذلك ؟ ألا يترك الظرف الإستثنائي تغييرات إستثنائية ؟ أليست منظمومة الأفكار متفاعلة جدليا مع الظروف المحيطة، وأن تغير الظروف سيؤدي إلى تغير الأفكار، وبالتالي تغير آخر على صعيد السلوك؟

لقد بدأ الفكر الأصولي بالإنسلال إلى المجتمع السوري منذ سنوات خلت، والمكتبات السورية مليئة به، وإن كان انتشاره هامشيا إلا أن له مريدين من أبناء هذا المجتمع “المختلف” ذي الطبيعة المعتدلة. مع ملاحظة إرتفاع منسوبه ومظاهره إبان الإحتلال الأمريكي للعراق، فالكوارث والأزمات أرض خصبة لانتشار التطرف.

غالبا ما تكون الظروف الإستثنائية بيئة ملائمة لكافة أنواع التغيير(الثورة مثالا)، خصوصا إن ترافقت تلك الظروف مع أحداث صادمة للمألوف. المجتمع السوري يتعرض لتحطيم يومي، عنف غير مسبوق من قبل النظام يترافق مع طائفية فجة وفاقعة، تعمي عين الوسطية والإعتدال. لقد حشر النظام الشعب في أقصى الزاوية، ومارس عليه كل الصدمات الممكنة، إبادة، تشريد، تهجير، ومجازر طائفية متنقلة. أضف إلى ذلك الوحدة الموحشة في مواجهة الموت . . كل ذلك كفيل بإحداث تحولات نوعية في بنية المجتمع الفكرية والسلوكية، إنها تشبه برمجة عصبية خلوية جمعية أو محاولة إعادة الوعي كصفحة بيضاء ليعاد تشكيله من جديد. يمكن قراءة فيديوهات القتل الطائفي التي تظهر للعلن تباعا، وتركيزها المستمر على الطبيعة الطائفية للقاتل والمقتول وكل الرسائل التي تحملها، من هذه الزاوية.

 المزيد …


رأس العين: وضوح الحكم وتعقد القضية

بواسطة في يناير.29, 2013, تحت تصنيف الساعة الخامسة والعشرون

156283_498093500222635_1233628940_nلو أن مراقب سوري يؤيد الثورة ولا ينتمي إلى محافظة الحسكة وبعيد إلى حد ما عن العلاقة المعقدة التي تجمع العرب والكرد، نظر إلى ما يجري في رأس العين لحكم من فوره بإدانة ما يحدث محملاً كتائب الجيش الحر المسؤولية كاملة، وأنها تنخرط في معارك جانبية لا طائل منها سوى زيادة أمد الإحتراب وتشظي النضال، فضلا عن كونها تخلق بين صفوف المنخرطين في الثورة أعداء جدد تحتاج الثورة إلى جهودهم وجهود تلك الكتائب في إسقاط النظام وهو الهدف المحوري للثورة في المرحلة الراهنة، إضافة إلى أن تلك المعركة/المهزلة تطيل عمر النظام وتعمق من المشكلات التي تهدد كيان الدولة والمجتمع السوري.

وهو حكم صحيح إلى حد كبير في تقديري، غير أنه حكم ينطلق من السياق العام للثورة، لا يعالج تعقيدات القضية ولا يمس جذورها وأسبابها، عدا عن أنها مشكلة لم تنشأ عن دخول الكتائب إلى رأس العين لنلقي بالملامة والمسؤولية على كاهلها، بل كانت موجودة مسبقاً، تغذيها ثلاثة عوامل: النظام والحلم القومي الكردي والعقل الشوفيني العربي. ولم يفعل دخول الكتائب سوى ما يفعله مظهِّر الصور الفوتوغرافية. ولا أعني بهذا الكلام إخلاء ساحة الكتائب وإصدار حكم البراءة عليها، ومعاملتها كما لو أنها مجموعة من البشر فاقدي الإرادة والوعي تتحكم بهم الظروف وتشكلهم وفقا لسياقاتها.

بل هي محاولة لطرح تعقيدات المسألة على طاولة البحث بغية فتح باب النقاش حول هذا الموضوع الصعب والشائك إذا ما نظرنا إلى العوامل التي تغذيه والمذكورة آنفاً.

لا آتي بجديد إن قلت أن العلاقة بين العرب والكرد –في محافظة الحسكة- علاقة سيئة للغاية لا تجملها عبارات الأخوة والجوار والتعايش، ولا يسترها التعامل اليومي الطبيعي، فوارء ذلك ثمة وادٍ سحيق من اللا ثقة والريبة والشك، وصراع بيزنطي حول أسبقية الوجود القومي على هذه الأرض وكل طرف مدجج بترسانة من صكوك الملكية.

ولو تغاضينا عن العقلية القومية الشوفينية البعثية ودور النظام قبل الثورة في الحفاظ على جذوة الصراع من خلال نفيه مفهوم المواطنة والدولة المدنية منعا للإطالة، فإنني سأتناول الوضع مع بداية الثورة.

 المزيد …


صفحة 1 من 30 ::12345678910...2030...الأخيرة

هل تبحث عن شيء ما?

استخدم مربع البحث في الأسفل للبحث في الموقع:

إذا لم تجد ما تبحث عنه الرجاء مراسلة إدارة الموقع للتنبيه!



كبريتات المدونة